كريم نجيب الأغر
141
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وهكذا تنصهر النواتان فيما بينهما لتؤلّفا ما يسمى باللغة العلمية : ( البويضة المخصّبة ZYGOTE ) . وهنا يظهر الإعجاز ، إذ ليس ثمة كلمة أدق وأوجز من تلك التي وردت في كلام اللّه سبحانه وتعالى لتبيان حقيقة الانصهار . أما بالنسبة لمعنى كلمة « نسب » التي وردت في الآية المذكورة أعلاه فإن الحديث الذي سنورده إن شاء اللّه والذي سنعلق عليه في مبحث « معجزة الرؤية الإسلامية في علم الوراثة » سيلقي الضوء على الوجه الثاني لمعنى النسب والحديث هو : « إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها اللّه تعالى كلّ نسب بينها وبين آدم » [ رواه الطبراني ح 63 ] ، فانظره هناك . لننظر الآن إلى الحديث الذي رواه مالك بن الحويرث وإلى رواية زيد بن أسلم رضي اللّه عنهما لنرى تفاصيل هذا الانصهار : « إن اللّه تعالى إذا أراد خلق النّسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها ، فإذا كان يوم السابع جمعه اللّه تعالى ثم أحضر له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ » [ أخرجه الطبراني ح 21 ] . سبحان اللّه ! إن صياغة هذا الحديث بسيطة جدا ولكنها في غاية الإعجاز . فهو يحمل في طياته أكثر من إعجاز إخباري ولا يستنبط أسراره إلا الراسخون في العلم الديني والدنيوي . وسوف نتعرض لكل من هذه الإعجازات في مواضعها المناسبة من النصوص المتعلقة بها - إن شاء اللّه تعالى - . الماء المذكور هنا هو النطفة في المفهوم النبوي ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من كلّ الماء يكون الولد . . . » [ أخرجه مسلم ح 17 ] وكما جاء في تعريف النطفة ( قطرة من ماء ) . يعلم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تمام العلم أن النطفة لا تطير ( حسب مفهومنا العامي ) « 1 » ،
--> ( 1 ) نشير هنا إلى التفسير العلمي الخاطئ للحديث رقم 6594 في فتح الباري بشرح صحيح البخاري : « إن أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما . . . » ( وسوف نشرح هذا الحديث في مبحث لاحق بعنوان « اجتهاد غير مصيب » ) ، ونحن نورده هنا حتى لا تختلط المفاهيم على القارئ فيذهب بعيدا عن الصواب ؛ فقد « روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّه قد فسّر الحديث السابق ذكره : بأن النطفة إذا وقعت في الرحم وأراد اللّه أن يخلق منها بشرا طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين يوما ، ثم تنزل دما في الرحم ، فذلك جمعها » ( كتاب القدر - رقم الحديث 6594 ج 11 / ص 480 ) / وهو بذلك قد استعان لشرح الحديث السابق بالحديث « طار ماؤه في كل عرق وعصب منها ، فإذا كان اليوم السابع ، جمعه اللّه » [ رواه الطبراني ح 21 ] ، واللّه تعالى أعلم . -